سميح دغيم
276
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
يكن عالما من قبل ، بأنّه مصلحة ومع ذلك أمر به ، أو أنّه خفي عنه الآن كونه مصلحة ، فلذلك نهي عنه ؛ وهذا هو معنى البداء ، لأنّه الظهور ، الذي لا يصحّ إلّا على من لا يعلم الشيء ثم يعلمه ، أو يخرج من أن يكون عالما ، بما كان عالما به ، أو من يجوز عليه الظنون وتغيّر الاعتقادات ، فإذا استحال جميع ذلك عليه تعالى فالواجب أن نقضي بأن هذا الفعل لا يقع منه ، مع كونه دالّا على البداء لو وقع ممن حاله ما ذكرنا ( ق ، غ 16 ، 65 ، 16 ) - إنّ البداء يقتضي تجدّد حال لم تكن ، وذلك يجري مجرى التغيير ، على ما قدّمنا القول فيه ، فأمّا إذا كان الأمر لواحد ، والنهي لآخر فإنّه لا يدلّ على البداء ، وإن قبح إذا كان الفعل واحدا ، لأنّ في هذا الوجه يقبح النهي وجها ، سوى تغيّر حاله وحصول البداء فيه ، وهو علمه بأنّه غير مقدور لهذا الثاني ، فكذلك القول فيه لو أمره بالفعل ثم نهاه عنه ، في حال أخرى ، والنهي يقبح ولا يقع ، لكونه غير مقدور ، لا لتغيّر حال ، إنّما يدلّ النهي بعد الأمر على البداء ، إذا لم يكن هناك وجه يقع لأجله النهي عن نفس ما أمر به إلّا جواز البداء ، ولا يكون كذلك إلّا مع الشرائط التي ذكرناها من قبل ؛ وقدّمنا في باب " الإرادة " بطلان القول بأنّ إرادة الشيء بعد أن لم يكن مريدا له ، أو الأمر بعد أن لم يكن آمرا يدلّ على البداء ، وأبطلنا تعلّق المجبرة في كونه تعالى مريدا ، لم يزل بهذا الجنس من الكلام ؛ وفي الذي أوردناه الآن دلالة على فساد هذا القول ( ق ، غ 16 ، 68 ، 12 ) - اعلم . . . أنّ الذي يدلّ في الحقيقة على البداء هو الكراهة ، بعد الإرادة ، أو الإرادة بعد الكراهة ، وإنّما يذكر الأمر والنهي ، لأنّ بهما تعرفان ، ولو عرفناهما بغيرهما لكانت دلالة البداء قائمة . ولو حصل لفظ الأمر والنهي ، من دون إرادة وكراهة لما دلّا على البداء ، على وجه من الوجوه ( ق ، غ 16 ، 69 ، 5 ) - اعلم أنّ البداء هو الظهور ، يقال : " بدا لنا سور المدينة " ، إذا ظهر . وإنّما يكون الشيء ظاهرا للإنسان إذا تجلّى له ، وصار معه على وجه يعلمه أو يظنّه . فأمّا الأمر والنهي فليسا من البداء بسبيل . لكنّهما قد يدلّان عليه . نحو أن ينهي الآمر المأمور الواحد أن يفعل ما أمره بفعله ، في الوقت الذي أمره بفعله فيه ، على الوجه الذي أمره أن يوقعه عليه ( ب ، م ، 398 ، 6 ) - قال ( المختار الثقفي ) : إنّ اللّه تعالى كان قد وعدني ذلك ، لكنّه بدا له . واستدلّ على ذلك بقول اللّه عزّ وجلّ : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ( الرعد : 39 ) فهذا كان سبب قول الكيسانية بالبداء ( ب ، ف ، 52 ، 3 ) - الضرورة علمنا أنّ من عمّر مائة عام وعمّر آخر ثمانين سنة ، فإنّ الذي عمّر ثمانين نقص من عدد عمر الآخر عشرين عاما ، فهذا هو ظاهر الآية ومقتضاها على الحقيقة ، لا ما يظنّه من لا عقل له من أنّ اللّه تعالى جار تحت أحكام عباده ، إن ضربوا زيدا أماته ، وإن لم يضربوه لم يمته ، ومن أنّ علمه غير محقّق ، فربما أعاش زيدا مائة سنة ، وربما أعاشه أقلّ ، وهذا هو البداء بعينه ، ومعاذ اللّه تعالى من هذا القول بل الخلق كله مصرف تحت أمر اللّه عزّ وجلّ وعلمه ، فلا يقدر أحد على تعدّي ما علم اللّه تعالى أنّه يكون ولا يكون البتّة ، إلّا ما سبق في علمه أن يكون ( ح ، ف 3 ، 84 ، 20 )